المقريزي

94

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وأيتمش ، وما زال حتى حسّن ليشبك وأشياعه أن يرشّد النّاصر فرج ويمكّن من الاستبداد ليحصل الغرض من أيتمش ومن معه من الأمراء ، فقام الأمير يشبك بمن اجتمع إليه وهم فحول الشّول ، وجمعوا الأمراء والقضاة وأقاموا بيّنة من الخدّام السّلطانية بأن السلطان بلغ رشيدا ، فحكم القضاة بفك الحجر عن الناصر ، وكان أول ما بدأ به أن أنزل أيتمش من الإصطبل السّلطاني ، وقامت الحرب بين يشبك وأيتمش حتى انهزم أيتمش بالأمراء الظّاهرية إلى الشام ، وصار تدبير أمور الدولة ليشبك ، فاشتدت أوافي ابن غراب ، وامتدّ باعه ، وطلب أخاه فخر الدين ماجد من الإسكندرية ، وتقلّد الوزارة ، فبينا هو يظن أن قد خلا ذرعه إذ تقلد يلبغا السّالمي وظيفة الأستادارية ، فأبدى له صفحة وجهه وقلب ظهر المجن ، وأغرى به الأمير يشبك حتى قبض عليه وأذاقه من العذاب أشدّه وأنكاه ، وتولّى ابن غراب أستادارية السّلطان ، ولم يغيّر زي الكتّاب ، فصار يخاطب بالأمير بعد ما كان يدعى القاضي ، وضربت على بابه الطّبول ، وصار له ديوان ، إلا أنه شكل ممتزج من قاض وأمير ، فشكله في زي الثياب هيئة الكتّاب ، وكلامه بلسان التّرك ، وعمله الذي يتقلّده بعضه وهو نظر الخاص ونظر الجيش وظيفتا كتابة يخاطب متولّيهما بالقاضي ، وبعض عمله وهو الأستدارية إنما يتقلّدها الأمراء ، فلو أعطيت الألقاب حقها لكان يقال له : « القضاميري » لأنه قاض وأمير . فلما تنازع الأمير جكم وسودون‌طاز زعامة الدولة مع يشبك كان لابن غراب في تلك الحروب الكثيرة أعظم سعي وأقوى فعل . ثم لم يكفه ذلك حتى فرمن داره إلى ناحية تروجة « 1 » يريد الثورة على أهل الدولة ، فجمع العربان أهل البحيرة ، ولما لم يتم مراده من ذلك عاد إلى القاهرة على حين غفلة ، واختفى عند صديقه جمال الدين يوسف الأستادار ، وأصلح أموره مع الأمراء وعاد أوفر ما كان وأبسط يدا ، فشره إلى الزيادة في الرّئاسة ،

--> - وكما سيأتي أيضا بعد قليل . ( 1 ) قرية من كورة البحيرة ، كما في معجم البلدان .